الشيخ السبحاني
180
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
قال ابن فارس : « القدر بفتح الدال وسكونه حدّ كل شيء ومقداره وقيمته وثمنه ، ومنه قوله تعالى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أي قدر بمقدار قليل » « 1 » . قال الراغب : « القدر والتقدير تبيين كمية الشيء يقال قدرته وقدّرته وقدّره بالتشديد : أعطاه القدرة فتقدير الأشياء على وجهين : أحدهما بإعطاء القدرة ( وهذا خارج عن موضوع البحث ) ، والثاني بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسب ما اقتضت الحكمة » ثم قال : « إنّ فعل اللّه تعالى ضربان : ضرب أوجده بالفعل ، ومعنى إيجاده بالفعل أنّه أبدعه كاملا دفعة واحدة لا تعتريه الزيادة والنقصان إلى أن يشاء أن يفنيه أو يبدله كالسّماوات وما فيها « 2 » . ومنها ما جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءه بالقوة وقدّره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدّره فيه كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون التفاح والزيتون ، وتقدير منيّ الإنسان أن يكون منه الإنسان دون سائر الحيوانات وعلى ذلك قوله تعالى : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً « 3 » وقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ « 4 » . وقوله : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ « 5 » » « 6 » . إلى هنا وقفت على معنى القدر حسب اللّغة . وأما القضاء ، فقد ذكروا له معاني كثيرة ، حتى أنّ الشيخ المفيد قال باستعمالها في معاني الخلق ، والأمر والإعلام ، والقضاء بالحكم ،
--> ( 1 ) المقاييس ، ج 5 ، ص 63 . ( 2 ) الصحيح أن يمثل بالمجرّدات عن المادة فإنّ تقديرها هو اتصافها بالإمكان من دون أن يطرأ عليه التغيير والتبدّل وأما السّماوات فتغيرها أمر بديهي . ( 3 ) سورة الطلاق : الآية 3 . ( 4 ) سورة القمر : الآية 49 . ( 5 ) سورة عبس : الآية 19 . ( 6 ) مفردات الراغب ، مادة « قدر » ، ص 409 ، تحقيق نديم مرعشلي ، ط دار الكتاب العربي .